ابن تيمية
29
مجموعة الفتاوى
إحْدَاهُمَا : إذَا لَمْ يُمْكِنْ إلَّا ذَلِكَ فَهُنَا لَا يَبْقَى سَيِّئَةٌ فَإِنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ ؛ أَوْ الْمُسْتَحَبُّ إلَّا بِهِ : فَهُوَ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ . ثُمَّ إنْ كَانَ مَفْسَدَتُهُ دُونَ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ لَمْ يَكُنْ مَحْظُوراً كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِن الأُمُورِ الْمَحْظُورَةِ الَّتِي تُبِيحُهَا الْحَاجَاتُ كَلُبْسِ الْحَرِيرِ فِي الْبَرْدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَهَذَا بَابٌ عَظِيمٌ . فَإِنَّ كَثِيراً مِن النَّاسِ يَسْتَشْعِرُ سُوءَ الْفِعْلِ ؛ وَلَا يَنْظُرُ إلَى الْحَاجَةِ الْمُعَارِضَةِ لَهُ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا مِنْ ثَوَابِ الْحَسَنَةِ مَا يَرْبُو عَلَى ذَلِكَ ؛ بِحَيْثُ يَصِيرُ الْمَحْظُورُ مُنْدَرِجاً فِي الْمَحْبُوبِ أَوْ يَصِيرُ مُبَاحاً إذَا لَمْ يُعَارِضْهُ إلَّا مُجَرَّدُ الْحَاجَةِ كَمَا أَنَّ مِن الأُمُورِ الْمُبَاحَةِ ؛ بَلْ وَالْمَأْمُورِ بِهَا إيجَاباً أَوْ اسْتِحْبَاباً : مَا يُعَارِضُهَا مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ تَجْعَلُهَا مُحَرَّمَةً أَوْ مَرْجُوحَةً كَالصِّيَامِ لِلْمَرِيضِ وَكَالطِّهَارَةِ بِالْمَاءِ لِمَنْ يُخَافُ عَلَيْهِ الْمَوْتُ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللَّهُ هَلَّا سَأَلُوا إذَا لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ } . وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يُبْنَى جَوَازُ الْعُدُولِ أَحْيَاناً عَنْ بَعْضِ سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ كَمَا يَجُوزُ تَرْكُ بَعْضِ وَاجِبَاتِ الشَّرِيعَةِ وَارْتِكَابُ بَعْضِ مَحْظُورَاتِهَا لِلضَّرُورَةِ ؛ وَذَلِكَ فِيمَا إذَا وَقَعَ الْعَجْزُ عَنْ بَعْضِ سُنَّتِهِمْ أَوْ وَقَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى بَعْضِ مَا نَهَوْا عَنْهُ ؛ بِأَنْ تَكُونَ الْوَاجِبَاتُ الْمَقْصُودَةُ بِالْإِمَارَةِ لَا تَقُومُ إلَّا بِمَا مَضَرَّتُهُ أَقَلُّ .